السبت، 21 أبريل 2018

سلطنة عُمان لا تنسى أبدا


ولأنني على ثقة بأن سلطنة عُمان لا تنسى ، فلم أندهش عندما عادت الأستاذة / آلاء مكي حسن ـ المحامي ـ عضو جروبنا قدامي المحاربين الإعلاميين من زيارتها القصيرة للسلطنة بعد أن شاركت في الدورة التدريبية حول مراقبة دور وسائل الإعلام في أثناء الإنتخابات التي نظمتها الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بالتعاون من اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان والتي يرأسها صديقي العزيز الذي أكن له إحتراما وتقديرا لو وزنت به جبال مسقط لفاقها ألا وهو سعادة المكرم الشيخ / عبد الله بن شوين الحوسني ، ووكيل وزارة الإعلام العُمانية السابق .
آلاء عند عودتها حملت لنا هذه البطاقة الكريمة الممهورة بتوقيع وتحايا معالي الدكتور / عبد الله بن ناصر الحراصي ـ رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بالسلطنة ، بعد أن تشرفت بمقابلته بناء لطلبه تقديرا وإعزازا لنا ولما كتبناه قبيل سفرها لمسقط .
آلاء حملت لنا باقة من الهدايا الفاخرة التي أسعدتنا كثيرا أنا وأسرتي هنا في العاصمة الوطنية السوانية ـ أمدرمان .
إذ كان عطر (أمواج) فخر الصناعة العُمانية بشذاه وعبقه الذي لاينسى حاضرا ، والذي شهدت شخصيا إطلاقه عندما كنت بمسقط كقمة سنام مجد الصناعة العُمانية في مجال العطور وهو بذلك لايقاوم  .
هدايا وتحايا معالية لنا وسؤاله عن صحتنا وأحوالنا إن دلت فإنما تدل على إننا لازلنا في البال والخاطر في السلطنة ، وأن عُمان مابرحت تحتفظ لنا بـ (صادق الود) على حد تعبير معاليه في بطاقته التي ستبقى لدينا كذكرى خالدة تمثل كل الشعب العُماني العزيز والأثير ، وهذا ما أكدته لي أيضا إبنتي عبير المعروفة في السلطنة وإذ أنا أكنى بها ، وباقة معاليه تؤكد أيضا على الحقيقة التي طالما كتبت عنها وهي إن المواطن العُماني متواضع بطبعه وبسجيته ، وإنه صاحب خلق كريم ، ولو لم يكن كذلك لما إستمر حبنا لـ عُمان وأهلها مستعرة جذوته على مدى هذه السنين ومنذ أن غادرتها عام 2002 .
عاطر الشكر وعميق التقدير لمعالية على هذه اللفتة العُمانية الطيبة والكريمة ، فهي قد أكدت لنا بما لايدع مجالا للشك بأن عُمان لا تنسى أبدا ..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني
الخرطوم

الأحد، 11 فبراير 2018

ماذا تعني حقيبقة الورق لحمود الطوقي



عندما يقدم صديق العمر وزميل الكفاح المرير والمر في دورب صاحب الجلالة الصحافة أعني العزيز حتى النخاع / حمود بن علي الطوقي ، عندما يقدم للمكتبة العربية كتابه (حقيبة ورق) في معرض مسقط للكتاب 2018 قريبا ، المضمنة لمقالاته التي أودعها هذه الحقيبة لسنوات طوال مضت ، فإنه في الواقع يقدم رحيق خبرته الطويلة في دورب الصحافة ، فمن لايعرف حمود ليسمح لي أن أذكر عنه القليل البعيد والغائر في سويداء
القلب ، وفي النقطة البعيدة الغائرة بالدماغ والمسماة كنز الذكريات التي لاتموت .
الطوقي ياسادتي صغير في السن لايزال ، وكبير في السن في آن واحد ، هو وأكاد أجزم بإنه قد بدأ أولى خطواته في دروب الصحافة وهو لايزال طفلا ، نعم أذكره وهو طفل ، ولكنه لم يكن ككل الأطفال ، حمود الصحفي وهو في المرحلة الإعدادية لايزال ، كأن يأتي لمقر جريدة الوطن بالوطية في العاصمة مسقط عام 1984 بمعية أستاذه الأردني ياسر سلامة ، كانا يحرران صحيفة (أبناء الوطن) ، وكنت أنا هناك حيث بدأت مشواري مع الوطن وفي مراحل تأسيسها الأولى ، بدأت بإنشاء قسم المعلومات الصحفية ، ولم يكن في الوطن في ذلك الوقت أقسام تذكر ، ثم كنت مصححا لغويا فيها ، ثم أنشأت قسم الإدارة بها ، وفي ذات الوقت كنت أكتب في الزاوية الشهيرة (كل صباح) ، وأحرر صفحة (حوادث وقضايا) التي أثارت جدلا وصخبا في الشارع العُماني ، وفي ذات الوقت كنت أعمل بوزارة التراث القومي والثقافة ، وتلك قصة نضال قد يطول الوقت لشرحها ، كان عرق من نوع خاص ، وضنى من نوع فريد قدمناه للوطن العُمانية وهي لاتزال تحبو كطفل .
حمود هذا المولع بالصحافة كان لديه إصرار غريب وعجيب إثار إنتباهي وقتها ، كان يرغب في أن يغدو صحفيا بأي طريقة كانت ، ولأنه يملك تلك الصميمية فلا بد من أن ينال مبتغاه ، عاد ياسر سلامه للأردن وأضحى الطفل حمود بن علي الطوقي ، هو محرر صفحة (أبناء الوطن) ، إنتقل الطوقي للمرحلة الثانوية كصحفي عتيد وصاحب خبرات ميدانية في التحرير والصياغة والكتابة وإجراء الحوارات وإدارة النقاشات ، لذلك فعندما أقول إنه صحفي قديم ، وفي ذات الوقت صغير في السن فإنني أعني ما أقول ، كل الذين يمارسون مهنتنا هذه فإنهم يفعلون ذلك بعد تخرجهم في الجامعات ، أما الطوقي فإنه مارسها ميدانيا وعمليا وهو طفل ، ذلك إن دل فإنما يدل على إنه (عبقري) ، بل كان طفلا إستثنائيا ، لذلك ظل الطوقي في ذاكرتي .
وبما إن حمود كان كذلك ، وبعد أن أكمل الثانوية العامة وهو صحفي بالوطن العُمانية ، أرسلناه للمغرب ليكمل دراسته الجامعية وقتها لم تكن في سلطنة عُمان جامعات ، وكل الطلبة في ذلك الوقت كانوا يكملون دراساتهم الجامعية خارج السلطنة ، وكنت المسئول الإداري بالوطن العُمانية عنه طيلة سنوات دراسته بالمغرب ، لذلك فقد توطدت علاقتي بشقيقه العزيز محمد الحارثي ، إذ كان يزورني بمكتبي بمقر الوطن بالوطية بنحو دوري في شأن أخيه النابغة حمود .
وعاد حمود للسلطنة وهو يتأبط شهادته الجامعية وكان أستقبالنا له حفيا ، فهو مشروعنا الناجح الذي أينع ، والآن وفي التو واللحظة فإن حمود هو صاحب مجلة الواحة العُمانية ، وحمود هو صاحب مجلة مرشد للأطفال ، ولكم الآن أن توقنوا لماذا أنشأ حمود مجلة للأطفال ، السر هو الذي أوضحته لكم سادتي ، فحمود كان صحفيا طفلا ، وهو بالتالي الصحفي الطفل الوحيد في تاريخ الصحافة العُمانية ، ستبقى هذه الحقيقة ساطعة للأبد وقد كتبها التاريخ العُماني في صحائفة وبمداد ماء الذهب .
إذن فإن إهتمام حمود بالطفل لم يأت من فراغ ، حمود كان مدفوعا بالصحفي الطفل الكامن في دواخله ، والذي مافتئ يصرخ وينادي ويطالبه بإن يكون بارا بأطفال عُمان وإذ هو الأب الروحي لهم ، فكان أن لبى هذا النداء العظيم ، فهنيئا لأطفال السلطنة بصديقي هذا العزيز حمود بن علي الطوقي ، وهنئيا للقراء والمثقفين بالسلطنة بهذا الصحفي الألمعي الخبير الصغير في آن معا وإذ هو يقدم لهم ولنا رحيق خبراته (حقيبة ورق) في كتاب من ذهب ..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني
الخرطوم
00249121338306

الأحد، 27 أغسطس 2017

هل يجوز شرعا للفئران أن تطبع ؟!..



الوزير السوداني مبارك الفاضل المهدي وزير الإستثمار السوداني وبتصريحاته الأخيرة بشأن التطبيع مع إسرائيل إثار لغطا وجدلا في الشارع السياسي السوداني مابين مؤيد ومعارض ومتحفظ ، ومن بين ثنايا هؤلاء جميعا وكالنبت الشيطاني سمعا رأيا لاعلاقة له لا بالتطبيع ولا بالتركيع ، ولا بإسرائيل ولا بفلسطين ، ولكن فقط نكاية في مبارك الفاضل وللأسباب الحزبية والمعروفة لنا جميعا ، هذا الرأي النشاذ دعا الشعب السوداني
للتنديد بتصريح الوزير ، وبغير أن يقدم الأسباب والمسببات الموضوعية التي جعلته يفعل ذلك .
 العجيب والمدهش إن مستوى الإجابة والإستجابة التي تلقاها كانت صفرا ، لسبب واحد وهو إن مايقوله صاحب هذا الرأي المضاد لم يعد مقبولا من كل أفراد الشعب السوداني ، وسنذهب بعيدا للتأكيد بإن ماقاله حشد المزيد من الدعم والتأييد لدعوة مبارك وفتحت شهية الجميع للمضي قدما في دعم ماقاله ، وهذا ما يسمى برد الفعل العكسي وهو يستخدم عادة من قبل أفراد الشعب السوداني إزاء كل تصريح ينطق به هذا الرجل تحديدا ، سيما وإنه قد تم تداول صورة قديمة له بوسائط التواصل وهو يصافح الرئيس الإسرائيلي الراحل شيمون بيريز ، ومهما كانت صحة هذه الصورة من عدمها فإنها قد ألقت بظلال قاتمة على النداء الذي أطلقه إذ أكدت لكم إنه قد قيل لا حبا في عمرو بل نكاية في زيد .
الآن الناس يتحدثون الآن في الوسائط بجراءة غير معهودة من قبل عن التطبيع والسبب يعود لهذا الرجل الذي تصدى بغير وجه منطق لمبارك ، ثم إن الكل يسأل ويتساءل عن لماذا نحن دون العرب والعالمين نعادي إسرائيل ، وهناك (عرب عرب) بالخليج وغيره يقيمون علاقات سرية كانت أو علانية مع إسرائيل ويتبادلون معها إنخاب الود الجزيل كلما أشرقت شمس يوم جديد ؟.. وإذا كان بعض العرب لا يزالون يصرون على إننا (عبيد) إذن فما بالنا وفلسطين وقضيتها ، هل رأيتم عبيدا على مر التاريخ يزعمون بإنهم أصحاب مبادئ وأصحاب قضية ؟!..
نعم ياسادتي نحن كذلك ، ولقد آن الأوان لنغسل أيادينا الملطخة بدماء الوفاء العروبي وإلى الأبد وأن ننسى اللاءات الثلاثة التي ورطتنا حتى اللجام ، على الفيسبوك وصلني مقطع فيديو لفلسطيني من القطاع يسخر من الوزير السوداني مبارك الفاضل ، مختتما مداخلته العنصرية ببيت الشعر الشهير للمتنبئ العظيم الذي إلتف بعنق كافور الإخشيدي المسكين  كحية ، ثم مالبث إن أودى به ، حدث هذا عندما كان الإخشيدي حاكما لمصر والقائل :
ـ لا تشتري العبد إلا والعصا معه
الآن والعنصرية العروبية الشجرة قد سمقت وتعملقت وغطى ظلها الـ لا ظليل السماوات والأرض والجبال ، الآن فقط إنتبهت إلى إن المتنبئ هذا الفحل الحكيم كان عنصريا أيضا .
ألم أقل لكم بإنه وحتى الذين بذلنا من أجل قضيتهم الدم والأرواح والدموع يصرون على إننا كذلك ، نحن نقر بهذه الوصمة (الفخر) ، وقد يعتقدون خطأ بإنها تزعجنا ، لا ورب الكعبة إنها لا تحرك فينا شعرة من رموش عيوننا التي أضناها سهاد النضال الكذوب من أجل القضية ، فقد كتب التاريخ في صحائفة بإن العرب وعندما تعنصروا  نالوا عن إستحقاق وجدارة غضب الله والملائكة والناس أجمعين ، ثم من بعد ذلك هل ياترى ستقوم لهم من تحت الرماد والركام قائمة ؟..
نحن العبيد الفئران السودانيين نعلنها داوية بأن لا نصر أبدا ستناله رماح الفلسطينيين بعد أن قالوها جهرة ، وذلك لسبب واحد وبسيط هو إن الذي خلق البشر كلهم هو إله واحد وهو (عادل) تماما ونحن في السودان نثق به وبعدله وبقدرته وسطوته وعزته وجبروته ، وهو ذاته القائل في محكم كتابه :
وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ .. آل عمران آية 126 ..
فإذا كان الله العادل قد أنزل جنودا من السماء لنصرة المؤمنين يوم كانوا كذلك ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم  بين ظهرانيهم ويومها إندثرت العنصرية وباتت حكاية من حكايات الجاهلية الأولى والثانية عندها فقط جاء نصر الله والفتح .
أما اليوم فقد عادت كالحة وقاتمة عادت الأولى رديفة للثانية ، وبالتالي وبالمنطق وبالإيمان لن يكون هناك نصر عربي على إسرائيل وحتى يعود العرب جميعهم لجادة الصواب وليوقنوا إيمانا وإحتسابا بأن لافرق بين البشر ، القضية إذن خاسرة وهذه واقع قد لا يصدقونه ولكن عليهم إستيعاب هذه الحقيقة المطلقة والمرة ، فإذا كان الأمر كذلك فما بالنا نضع كل بيضنا الذهبي السوداني العزيز والرقيق في هذه السلة السراب ؟..
ثم بعد ذلك هل تصدقون بان حماس المنظمة لا حماس الدولة قد أصدرت بيانا أدانت فيه تصريحات مبارك الفاضل وهو وزير سوداني على رأس عمله ، وحضت جماهير الشعب السوداني على رفض التصريح ، ماشاء الله إذ علينا الآن أن ندير الخد الأيسر لكل من هب ودب ، ثم علينا أن نمضي بعيدا ونعين مندوبا لها عضوا في المجلس الوطني السوداني ليجلس بجانب أعضاءه من الفئران السودانية ، بعد أن نمنحه حق النقض (الفيتو) !!..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب
الخرطوم

الأربعاء، 23 أغسطس 2017

تجربتي الشخصية مع العنصرية

إذا كان الدكتور الطبيب السوداني عبد الله قد تعرض لإعتداء (لفظي) في السعودية كما يحلو لوسائل الإعلام أن تقول ، وكانت الواقعة بكل مشاهدها وفصولها الدامية مطروحة للذبح والسلخ في مقالنا يوم السبت الماضي بعنوان (عودة نظام الأبارتيد لجزيرة العرب) ، فإنني وفي الواقع أرى وكما كنت أقول دائما بأن الأخ عبد الله وفي الواقع قد تعرض لإعتداء (عنصري) ، تلك هي الحقيقة المجردة وبدون زيادة أو نقصان ، مع تقديري لكل
الزملاء والكتاب الذين حاولوا الهروب من الكلمة الشنيعة وإستبدالها بأخرى مؤطرة بسياج الأدب ، غير إنها لا تغني عن الحقيقة شيئا .
إذن فإن القضية التي نحن بصددها هي (العنصرية) ، وتحديدا العنصرية (اللونية) ، لينداح السؤال الكارثة من تلقاء نفسه مخاطبا جمعنا الكريم :
هل نحن العرب عنصريون ؟..
بدون مواربة فإن الإجابة وبكل أسف هي (نعم) ، فنحن لسنا خير أمة أخرجت للناس ، بل نحن اسوأ أمة أخرجت للناس ، ثم هل العنصرية اللونية التي تجرع كأسها العلقم الدكتور عبد الله هي وقفا على السعودية وحدها دون بلاد العرب ؟.. الإجابة بالطبع لا ، فالعنصرية اللونية موجودة في معظم بلاد العرب ، رغما عن إن الإسلام  هو الديانة الأساسية فينا ، ومع هذا فنحن (عنصريون) حتى النخاع ، دكتور عبد الله آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب ، فإستطاع التسامي فوق سودانيته وإحتسب وصبر ، وإذا كنت قد ذكرت بإنه قد تسامى فوق سوادنيته فإنني أعني بإنه ولو إلتزم بالنص السوداني كاملا في هكذا حالات لكان المعتدي الآن وفي التو واللحظة قد أمسى نسيا منسيا وإنه بات جزءا من الماضي الذي لن يعود ، فهنيئا لدكتورنا تلك المنزلة الرفيعة التي ما بلغها سوداني على ظهر الأرض قط .
وبما إن الشئ بالشئ يذكر ، فإن حادثة السعودية قد هيجت فينا كوامن الجوى ، ثم أشعلت مرجل الذكريات البعيدة الغائرة حتى فاض التنور إيذانا بفتح أبواب السماء بماء منهمر .
الزمان منتصف تسعينيات القرن الماضي ، المكان العاصمة العُمانية مسقط ، وقتها كنت أشغل وظيفة مدير الإدارة بجريدة (الوطن) العُمانية ، لدينا تشكيلة من العاملين ومن جنسيات عربية وآسيوية ، الأمور على مايرام كانت تسير ، وذات صباح أغبر ، كان ثمة أمر يتعين إبلاغه للزميل / ن ق ، مصري الجنسية ، ورغم إنني لم أكن أتعامل مع الذين أترأسهم على أساس الجنسية أو اللون أو الدين أو العرق وهذا مايعرفه الجميع عني في السلطنة ، وما إن بلغ الأمر للزميل ن حتى جاءني ثائرا لا عنا كالموج لا يلوى على شئ ، وفي تلك النقطة إلتصقت الأرض بالسماء بغته عندما قالها وكان يعني مايقول :
ـ تتحدث مع أسيادك
يا إلهي ، فحتى تلك اللحظة ، وحتى ذلك الزمان ، لم أكن أعلم بإن لي سيدا على ظهر الأرض غير الله ، السيد / ن ، زعم بإنه هو ذلك السيد المفترض حقا لا جدلا ، وبما إنني قد قلت لكم بإن دكتور عبد الله قد تسامى فوق سودانيته في السعودية يوم تلقى صفعته العنصرية المدوية ، فإنني وفي الواقع لا يمكنني الإدعاء بإن تلك الطريقة تروق لي  ، ماحدث لا يمكنني وصفه لكم تحديدا ، فالكلمات نفسها لا تستطيع أن تصف ماحدث ، ذلك إن السيد ن كان لا يقوى على السير بعد أن فجر قنبلته العنصرية في مكتبي بالطابق الثاني بمبنى الوطن الكائن بالغبره بالعاصمة العُمانية مسقط ، أخرجوه من مكتبي محمولا على الأكتاف .
ثم رفعت الحادثة بكل دخانها وعثارها وغبارها وصخبها وجنونها للفاضل الأستاذ / محمد بن سليمان الطائي ، صاحب الإمتياز المدير العام رئيس تحرير الوطن ، فأصدر أوامره لي بإجراء اللازم حيال الحادثة العنصرية البغيضة التي شهدها مبنى الوطن ، وبإعتبار أن لامكان لهكذا عبث على ثرى سلطنة عُمان ، واللازم يتمثل في إنهاء عقده وإبعاده من السلطنة فورا في أول طائرة متجهة للقاهرة ، وهذا ماحدث بالضبط .
غير إنني قد وصلت لمرحلة التسامي التي وصلها دكتور عبد الله من زاوية أخرى تلك هي الخاصة بقناعاتي الشخصية ، فقد كنت أؤمن بان الزميل ن ، تصرف بنحو فردي ولا أستطيع التأكيد بإن كل الزملاء المصريين يؤمنون بنظرية السيد المصري في مواجهة العبد السوداني ، والدليل على ذلك إنني لم أر منهم مايشير إلى ذلك أبدا ، كما إن علاقتي بهم ومنذ الواقعة وما قبلها وما بعدها هي علاقة جد متينة ، وتربطني بهم حتى اليوم علاقات إجتماعية وأسرية راسخة ، وهم معي الآن وفي التو واللحظة في الجروب الذي أشرف عليه (قدامى المحاربين الإعلاميين العرب) نتبادل صباح كل يوم جديد أنخاب الحب وتحايا الود المعطر بماء الورد .
وماطالبت به السلطات السعودية في المقال السابق بضرورة تنقيح المناهج الدراسية والتربوية بغرض الوصول للبؤرة التي جعلت العنصرية اللونية باقية منذ الجاهلية وحتى الآن وبغير أن يلوح في الأفق أي بصيص أمل في إنزواءها ، رغم إن القرآن فينا لايزال يتلى آناء الليل وأطراف النهار ، ذاته المطلب ينسحب أيضا على مصر الشقيقة فقد تكررت عبارات العنصرية اللونية من مصريين وحادثة لندن الشهيرة كانت تأكيد على ذلك ، وحادثتي الشخصية كانت أقدم منها بأكثر من عقدين من الزمان ، ذلك يؤكد بإن هناك شئ ما خاطئ في العقيدة الإجتماعية المصرية ، أنا لا أدري أين هي ولكن أهل مكة أدرى بشعابها بطبيعة الحال ، ويمكنهم الوصول إلى تلك البؤرة الخاطئة الكاذبة إن هم أرادوا ، ويبقى علينا فقط أن نذكر الواقعة للتاريخ لنضيفها الى مآسي العرب والى أماسيهم أيضا .
لتدعوا جامعة الدول العربية وزراء خارجية العرب إلى إجتماع عاجل ليتدارسوا فيه أسباب بقاء العنصرية اللونية حية تتقد في بلاد العرب على الرغم من إن بلادهم كانت مهبط الوحي ، وفيها بعث الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم .
 القضية خطرة بكل المقاييس ، وهي دليل كافي على حقيقة إننا أمة لن تتقدم خطوة واحدة للأمام ، وإننا وأبدا أبدا لن ننعم برضى الله عز وجل مصداقا لقولى تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .. الأعراف آية 96 .
فنحن لاتقوى لدينا ولا إيمان يعتد به بين ظهرانينا ، وبإعتبار إن العنصرية اللونية هي نقيض صارخ للتقوى وللإيمان ، الأمر مفروغ منه ، إذن فسنظل نحفر في البحر أبد الدهر .
وإذا كنا نقول ما نقول فلا يتعين علينا التصديق بأننا وفي السودان لسنا كذلك ، نحن في الواقع صحيح عبيد وسود من وجهة نظر بعض العرب ، ونحن وقد لا يعلمون نعتد كثيرا بلون بشرتنا ، ونرى أنفسنا فيها ملوكا وأباطرة ، ومع هذا فنحن وفي الواقع عنصريون أيضا ، لدينا عنصرية لونية أسود من السواد ، في هذه النقطة قد يندهش العرب من المحيط للخليج ، وكالمطر لا كالغيث ستنهمر أسئلتهم الحيرى : أبين العبيد السود أيضا عنصرية لونية ، وهم في الأصل كذلك ؟..
سؤال مشروع بالطبع ، سؤال لايقال جهرة بل همسا بعد أخذ الحيطة والحذر وحتى لا يتناهى صداه إلى أحدنا فيحدث ما لا تُحمد عقباه .
المثير والجميل هنا هو إن عنصريتنا السودانية منكفئة على ذاتها ، ولم يحدث أن وجهنا سهام حقدنا العنصري لأحد من أبناء العرب ، أي ليس لدينا عدوانية عنصرية كعدوانية الأجناس الأخرى ، ليس لأننا نرى أنفسنا الأقل شأنا بل لأننا نحترم الذات الأخرى ممن ينتمون إلى بلاد غير بلادنا ، هكذا خلقنا الله ، نحمل في دواخلنا كل التناقضات التي لا تصدق .
في تاريخنا السوداني كله لم نر عنصريا سودانيا وعدوانيا أيضا غير مصطفى سعيد ، داهية الطيب صالح في موسم الهجرة للشمال ، لقد قالها لهم وهو يحاكم في الأولد بيلي في لندن بتهمة قتلهن ، نعم ياسادتي أنا قطرة من السم الزعاف الذي حقنتم به شرايين التاريخ ، وكان مصطفى سعيد العنصري السوداني العدواني الوحيد والذي أعاد لنا الإعتبار في بلاد الإنكليز .
إذن على أمتنا العربية اللا مجيدة أن تصدق بأن كل حروب السودان الأهلية ومنذ الإستقلال وحتى اليوم ، وكل صراعاتنا الإجتماعية ، بسبب (العنصرية) ، عندنا عنصرية لونية وهذه لن يفهم سرها إلا نحن ، ولدينا عنصرية قبلية ، ولدينا عنصرية مذهبية وجهوية وطائفية ، ولدينا كل أنواع البلايا والخطايا والموبقات ، ولسنا بأفضل من العرب في جزيرة العرب وخارجها ، نحن نملك الشجاعة الكافية لقول ذلك وإذ نحن نروم الصلاح والإصلاح ما إستطعنا إلى ذلك سبيلا ، فهل شجاعتنا هذه يملكها ملوك العنصرية العرب ؟..
وعلى العرب أن يصدقوا الأنكأ من ذلك أيضا ، وهو وإنه في جنوب السودان أيضا عنصرية وذلك بعد أن تساوى الجميع في لون البشرة ، عنصريتهم لا يفهما من العالمين أحد غيرنا نحن في شمال السودان ، إذن فليكن إجتماع الجامعة العربية صاخبا إذ عليه مناقشة آفة الأفات القومية العربية (العنصرية) أعني وبكل أشكالها وأنواعها ، ثم عليه الخروج بالتوصيات الملزمة للحكومات التي طالما غضت الطرف عن هذا الوباء وهذا البلاء ، حتى إستفحل وقتل ..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب
الخرطوم
dirgham@yahoo.com