الاثنين، 25 أبريل 2016

لم يكن يوسف عثمان رجلا عاديا



  توفي لرحمة مولاه أخي إبن خالتي يوسف عثمان حسن ووالد زوجتي (راقيه) يوم الإثنين الموافق 11 إبريل 2016 ، قدر الله أن أكون هناك بمستشفى حاج الصافي ببحري لأشهد اللحظات التي ودعنا فيها يوم ترجل من على صهوة جواده الجامح كان أبدا ثم أرتحل ، ولأسجل حقيقة إنه كان يومها يبتسم وهو يحدق يمنه ويسره إلى هناك الى ركني سقف الغرفة ، كان يوزع إبتساماته على ضيوفه الذين يراهم لوحده ولم يكن بمقدورنا أن نراهم
، حاولنا وفشلنا ، فهنيئا له بما بُشر به إذ تبسم ، لن أنسى أبدا إنني وعندما دنوت منه أصدر بجهد جهيد صوتا ، فدنوت أكثر لأرهف السمع لكل حرف يتسربل ، لم أحس إلا ويده اليسرى وقد أمسكت بساقي ، لم أستوعب كلماته غير إنني وبالإحساس أدركت حقيقة إنه كان يودعني ويبلغني رسالته الأخيرة بأن عليً أن أكون على العهد والوعد ما إستطعت ، وأنا وفي الأصل كنت وسأبقى كذلك .
فعلاقتي بيوسف عثمان حسن لم تبدأ من مكة المكرمة عندما تزوجت إبنته الكبرى (راقيه) ، فعندما قدمت لمكة المكرمة قادما من العاصمة العراقية بغداد عام 1983 بعد أن أنهينا دراستنا ببغداد الصدامية وفي طريقنا للخرطوم ، يومها تركنا مقاتلات صدام حسين تسجل زيارات مرعبة وغير مرحب بها للعاصمة الإيرانية طهران ،  وكانت شعارات قادسية العرب جميعا تملأ حوائط الأبنية في كل محافظات العراق ، وكانت إذاعة بغداد تبث الأناشيد الحماسية الممجدة للملحمة القومية الجديدة ، كان الوقت وقت حج ، أديت الفريضة ، بعدها حللت ضيفا بمنزل يوسف قبيل عودتي للعاصمة السودانية الخرطوم ، تقدمت لإبنته ، ذهبنا للسفارة السودانية بجدة وأتمننا مراسم العقد ، بعدها عدت للخرطوم .
وفيما قبل ذلك وعندما كنت طفلا دون السابعة بحي العباسية بأمدرمان كان يوسف أمامي شابا يافعا له دراجة هوائية يستخدمها للذهاب بها للسينما الوطنية بأمدرمان ، وكان في الواقع صديق لي رغم الفارق بين عمرينا ، المفارقة العجيبة إن يوسف لم يكن صديقا لي فحسب ، قبلها كان صديقا لوالدي محمد أبوزيد عليه رحمة الله ، كانا أبدا سويا ربما حتى قبل مولدي ، فعندما كان والدي وفي أعياد الأضحى ربما في بدايات الخمسينات كان أبي يذبح وكان يوسف يمسك بأرجل الأضحية كما هو واضح في هذه الصورة التي تحكي كيف أن جدا أولادي كانا في الأصل صديقان ، لقد كتب الله في اللوح المحفوظ بأن أبن محمد أبوزيد ، سيتزوج بعد ثلاثة عقود بإبنة يوسف عثمان ، هذا تمضي مشيئة الله القادر ، ثم شاءت ذات المشيئة أيضا أن يجتمع الجدان أيضا في أمدرمان في ثمانينيات القرن الماضي إحتفاء بمقدم حفيدتهما (عبير ضرغام) ، كان ذلك الإجتماع الأخير بينهما ، فقد مضى إبى لملاقاة ربه ، ولحقه يوسف بعدها بثلاثة عقود إلا قليلا .
 سأكون صادقا حينما أقول لكم بان ذلك العصر يوم كنت طفلا كنا نسميه في السودان بعصر الجاهلية تيمنا بجاهلية قريش أو حتى تمينا بالجاهلية الأولى المذكورة في القرآن وهي جاهلية قبيلة قابيل بعد قتله لأخيه هابيل فهرب بعدها للجبال البعيدة النائية هربا من والده آدم عليه السلام وإنشأ مجتمعا فاسدا فاسقا أسماه الله عز وجل في القرآن بـ (الجاهلية الأولي) ، جاهليتنا في السودان المقصود بها إن كل شئ كان مباحا ، أصحاب التقوى لهم مساجدهم وخلاويهم وتلاواتهم ، وأصحاب الفسق والفجور كانت لهم منتدياتهم وراياتهم وأعلامهم وعاهراتهم ومواخيرهم وخمرهم وأنسهم وجنهم ، غير إنني رأيت التقوى في يوسف عثمان على هيئة سلوك شخصي يمشى على الأرض الهوينا ، لم أره غاضبا أو لاعنا أو فاجرا أو فاسقا ، رأيته مصليا عابدا زاهدا تقيا ورعا حامدا شاكرا ، وحتى في مرض موته كان يردد في اللحظات التي يعود فيها إلينا من غفوته كان يرددها (الحمد لله) في وضوح وفي خفوت وبناء لمقتضى الحال ، هكذا كان وهكذا ودع الدنيا إلى جنان الله الرحيبة بحول الله .
تزوج يوسف للمرة الأولى من (أمونة) أمرأة من العباسية بأمدرمان إمراة فارعة الطول فيها جمال يسر الناظرين ، كان هذا في ستينيات القرن الماضي ، ويبدو إنه قد أحبها بصدق فقد رأيت الهيام في عينيه فقد كنت حاضرا وشاهدا ، غير إن صراعات عائلية نسائية صرفة دفعته دفعا لتطليقها ، بعدها فقد زهد في السودان وبدأت رحلته الطويلة مع الغربة والإغتراب .
سافر لتشاد بدءا ، وقتها لم تكن الغربة المعنى والغربة الهدف معروفة للسودانيين عموما ، فقد كان البلد بخير كما يقولون ، وتاريخيا فقد فتح يوسف عثمان باب الغربة والإغتراب علي مصراعيه ،  وقتها كان بين ظهرانينا جاليات يمنية ومصرية وعربية وإفريقية ، اليمنيين كانوا أكثر حضورا وبريقا بحكم نبوغهم في التجارة ، وتجارة الحوانيت على وجه الخصوص ، دكان عابدين الشهير بشارع الأربعين بأمدرمان كان محطتنا الأثيرة ، يوم الخميس كنا ونحن لا نزال في المرحلة الأولى وسطى كنا نأت عصرا أمام دكان عابدين بشارع الأربعين بحي العباسية لنسعد برؤية طلبة جامعة الخرطوم العائدين في عطلة نهاية الأسبوع ، كانوا يتجمعون هناك  وعلى رأسهم المهندس النابغة إسماعيل مريخ الذي عمل بعد تخرجه طيارا بالخطوط الجوية السودانية ثم الخطوط الكويتية وتجمعنا به صلة قربى ، كان طلبة جامعة الخرطوم حينها تشع النضارة والوسامة من وجوههم من أثر النعمة ، فقد كانت داخلياتهم فنادق خمسة نجوم ، وعابدين كان يمانيا وكان هناك دكان مظبط على مرمى حجر من خلوة أبوشوقي حيث بدأنا رحلتنا الأولى مع العلم والتعلم ، وفيما بعد عدو السنين أدركنا بان تلك الجاليات التي كانت معنا كانوا بحكم إنهم كانوا في غربة في السودان ، وان الجنيه السوداني المترنح حاليا كان يعادل ثلاثة دولارات أميركية ، إذن تلك هي الحكاية ، فقد كنا دولة رفاهية غير إننا لم نكن نعلم .
يوسف أختفي في تشاد لسنوات طوال ، وكنت وقتها أقيم مع والدته وهي خالتي الكبرى فاطمة عبد الله يحي الملقبة بـ (تنه) بسبب سفر الوالد وأخوتي لـ 24 القرشي بولاية الجزيرة منقولا لمصلحة الري ، الخالة (تنه) لها أفضال علي لا تُنسى ، فهي التي عملتني معنى أن أكون ليثا ، ذات يوم ونحن في طريق العودة من الدرس الذي كنا نتلقاه عن معلم هو صديق لخالي يحي عبد الله ، وخالي يحي كانت تنه تقيم معه بحكم طلاقها من زوجها ، لقد تعرضنا لمطاردة عنيفة من قبل بعض الزملاء الطلبة ، لا أخفيكم بأنني أنا وأبن خالتي محمد آدم شعيب عليه رحمة الله الذي توفي بمكة المكرمة في يناير الماضي وأخيه شعيب قد هربنا من ساحة الوغى ، دخلت البيت مذعورا لاهثا مرتعدا ، وقتها كانت تنه تقوم بكنس فناء المنزل ، إلتفتت إليً وهي لا تزال في نفس الوضع وسألتني ما بك ، قلت لها :

ـ الأولاد دايرين يضربونا
قالت :
ـ خفت منهم يا ضرغام ؟..

ثم واصلت عملية الكنس ولم تلتفت بعدها اليً أبدا ، لقد قصم سؤالها ظهري يا سادتي ، فهي لم تجزع ولم تولول ولم تعلن الحرب على عصابة الأولاد ، ثم لم تخرج معي إليهم منقذة وداعمة لموقفي الجبان من النزال ، فهي لو فعلت لكانت قد خلقت مني أنثى كاملة النصاب ، تركتني لوحدي ألوك مرارة سؤالها العلقم ، لا أدري ماذا حدث لي تلك اللحظة ، لقد إشتعل رأسي نارا ولهيبا وغيظا ولظي ، كما إن الحمى قد غشيتني فكانت أوصالي ترتعد ، إندفعت لعرض الشارع كليث وليس كطفل ، وخضت نزالا دمويا مميتا إنتهي بهروب الفتيان جميعهم أمام عواصفي الهوجاء ، ذاك كان أهم وأعظم درس تلقيته في حياتي ، وقدمته لي والدة يوسف عثمان حسن ، عليها رحمة الله .
لذلك وعندما ماتت ونحن لا نزال في العباسية ويوسف كان لا يزال في تشاد ولم يحضر وفاتها ، وعندما جاء اللوري أو الشاحنة لنقل جثمانها لمقابر حمد النيل بأمدرمان لم يسمحوا لي بالصعود مع الرجال ، سمعتهم يقولون إنه طفل صغير ، ثم منعوني بالقوة من الصعود ، إنهم لا يعلمون بأنني كنت وقتها أسد ضاري صنعته صاحبة ذلك الجثمان الطاهر ببضع كلمات وليس عبر موعظة عصماء ، ظلت تلك الواقعة في حلقي أليمة تطعن في الحلق في تلكم الليالي الداجية ، فكلما مررت بمقابر حمد النيل أقرأ الفاتحة على روحها الطاهرة ، أنا أعلم إنها مدفونة هناك ، غير إنني لا أعلم أين هو قبرها بالضبط ذاك هو عذابي المستمر من وقتها وحتى اليوم .
منذ ذلك الوقت وأنا بالفعل أحمل معنى هذا الأسم الضخم الذي إجتهد فيه والدي عبر ثقافته بعيدة المدى في الشعر الجاهلي (ضرغام)  ، وكان ذلك من فضل عظمة وحكمة ودهاء والدة يوسف عثمان  (تنه) عليها رحمة من الله ورضوانه ، جاء يوسف من تشاد والكاميرون التي سمعنا إنه قد وصلها ، جاء وقد تزوج من سودانية في تشاد هي زوجته الحالية جاء يحمل بين ذاعية زوجتي راقية وهي إبنة العام أو العامين ، مكث قليلا بأمدرمان ، ثم غادرها إلى المملكة العربية السعودية وليقدم زهرة شبابه لمكة المكرمة التي عشقها أرضا وتاريخا ومجدا وبيتا عتيقا كان دائب الصلاة في حضرته ، ليعود بعدها في العام 2015 للسودان الوطن وقد أعياه هجير الغربة .
وكان لي شرف أن أكون في إستقباله وإحتضانه بمطار الخرطوم الدولي أنا وإبنته راقية وأولادي وهو جدهم ، كان في ضيافتي بمنزلي بصالحة أمدرمان وكنت سعيدا به حتى وفاته ، كنت في الواقع أدفع دينا ثقيلا ووبيلا لم أستطع الوفاء به كاملا للأسف كما أعتقد ، هو دين والدته وخالتي (تنه) عليها رحمة الله تلك المرأة التي صنعت مني ليثا ..

ضرغام أبوزيد
كاتب وصحفي سوداني عٌماني
00249121338306








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق