الأحد، 17 يوليو 2016

أيعقل أن نعادي إسرائيل لوحدنا ؟!!



 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قام مؤخرا بجولة إفريقية وصفتها الصحافة الإسرائيلية بالناجحة ، وأُستقبل في العواصم التي زارها بحفاوة بالغة ، وتم التوقيع في على إتفاقيات عديدة تشمل التعاون والتبادل الإقتصادي و(الأمني) وبما تعنيه هذه الكلمة من مدلولات وإيماءات ، كما إنه قد نال وعدا غير مردود من العواصم الإفريقية بنيل صفة المراقب في الإتحاد الإفريقي في بادرة غير مسبوقة بالتأكيد وهي دليل على مستوى الرضى الإفريقي الذي ناله .
وبالطبع فإن التمدد الإسرائيلي في إفريقيا وبهذا النحو يعد مكسبا هاما ورصيدا ونجاحا سياسيا لا يمكن إنكاره ، وفي ذات الوقت فإن ذلك يعني تراجعا للنفوذ العربي في القارة السمراء وفي ظل نضوب ما بأيدي العرب من مال وفكر وعتاد وسلاح وعلم وتحضر وحضارة .
إذن فإن الوجود والتغلل الإسرائيلي في إفريقيا بات أمرالا يمكن إنكاره ولا يمكن تجاهله ، تلك حقيقة مثلى يتعين علينا التعامل معها بواقعية وبإدراك كامل .
نحن هنا وفي السودان ربما نعد الدولة الإفريقية الوحيدة التي لا تزال ترفع راية العداء سافرة لإسرائيل ونرفض أي نوع من أنواع التعامل معها وهي سياسة ستقودنا حتما للإصطدام شئنا أم أبينا مع أصدقائنا وأشقائنا الأفارفة الذين يخالفوننا الرأي تماما في هذا الملف ، هذا الخلاف قد إنتقل تلقائيا لأديس أبابا ولمقر الإتحاد الإفريقي بعد أن بات واضحا مع الشقيقة أثيوبيا في هذا الشأن ، على ذلك وإذا ما أستمرت السياسية الخارجية السودانية على ذات المنوال العقيم وعلى المدى القصير لا البعيد فربما تجد إفريقيا نفسها مرغمة على الإختيار ما بين السودان وإسرائيل وهو إختيار ليس في مصلحتنا حتما ، إذ وبلغة المصالح فإن لدى تل أبيب ما تقدمه لإفريقيا بينما ليس لدينا نحن ما نقدمه غير الشعارات المنددة بإسرائيل وبالصهيونية العالمية وهي شعارات ما عادت تسمن ولا تغني من جوع .
لينبثق السؤال مدويا لماذا تصر الخرطوم على إنتهاج هذا الخط من العداء السافر مع الدولة العبرية ؟.. فهذا النوع من العداء بات من أحاجي الماضي ، فعندما كنا صغارا وعندما كنا نتشاجر مع صديق لنا كنا نستخدم كلمة (محاربك) وهي تعني أن لا تكلمني ولا أكلمك ، ولا تحييني ولا أحييك ، ولا تنظر إليَ ولا أنظر إليك ، ولا تزورني ولا أزورك ، أي أن تلغيني من قاموسك وأن ألغيك من أبجديتي ، وهكذا إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ، وعندما كبرنا وأتسعت مداركنا أيقنا وأستوعبنا أن ما كنا نفعله كان سذاجة طفولية أملتها قصور عقولنا إذ نحن أطفال ، وعندما نجتر الذكريات ونحن كبار مع أصدقاء الطفولة الأن لا نملك غير أن نضحك حتى الثمالة مما كنا نفعله بإصرار وإيمان .
كان الأجدر بنا أن إذ نحن قد إختلفنا أن نتناقش ، أن نتحاور ، أن يعبر كل منا للآخر عن النقطة التي يراها كل طرف خطأ لدى الجانب الآخر ، لو نحن فعلنا ذلك لما أمتد الخلاف لتلك الفترة الزمنية الطويلة ولما فقدت إنسانيتنا سمة من سماتها وهي (التسامح) .
السودان الوطن لا يزال يتعامل بمبدأ (محاربك) في علاقاته الخارجية مع إسرائيل الدولة التي لا نستطيع إنكارها وإن كنا نختلف معها في الكثير الكثير من التوجهات والسياسات ، فنحن لا نتحدث إليها ، ولا يتعين عليها الحديث معنا ، ولا نسلم عليها ، ولا يتعين عليها السلام علينا ، وظللنا نمارس هذا النهج الطفولي في التعامل ونطالب في ذات الوقت عموم إفريقيا أن تنتهج النهج نفسه .
إفريقيا أبلغتنا عمليا بأنها ليست (طفلة) لتفعل ذلك ، ثم أدارت لنا ظهرها وأقامت علاقاتها مع إسرائيل وبما تمليه مصالحها الإقتصادية والأمنية فوجدنا أنفسنا في خلاف أزلي مع إسرائيل وفي خلاف أشد خطورة مع أمنا إفريقيا ، فأين المفر ياترى فالبحر من خلفنا والعدو أمامنا فماذا عسانا نفعل في هكذا وضع حرج .
تركيا الدولة الإسلامية القوية الشامخة ، لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ، ومع هذا لها خلافات عميقة معها ، وبما إنها كبيرة وعظيمة وشامخة وليست طفلة فإنها تجتمع مع الإسرائليين وجها لوجه وتبلغهم إعتراضها على سياساتها القمعية تجاه الفلسطينيين ثم هي الوحيدة إسلاميا وعربيا والتي أستطاعت فك الحصار المضروب على قطاع غزة عبر إرسالها لسفن الإغاثة للمحاصرين هناك ، وهي الوحيدة التي تفقدت المسلمين في بورما ، ذلك إنها ترى بأن إقامة علاقات دبلومسية مع إسرائيل أو غيرها لا يعني بيعها للثوابت التي تؤمن بها ، غير إننا في السودان نختلف تماما فنحن (محاربين) إسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها يعني إننا قد خنا القضية وهذا مفهوم موغل في الخطأ بكل المقاييس الحضارية الحديثة .
اليوم وفي التو وفي اللحظة فنحن على خلاف مع إفريقيا وفي ذات الوقت (محاربين) إسرائيل وإسرائيل أمست أقرب لإفريقيا منا نحن أخوانهم وأشقائهم وأحبائهم في القارة وفي النضال ، لم نستطع إقناع الجارة أثيوبيا بأن (تحارب) إسرائيل معنا على طريقتنا رغم وقوفنا معها في قضايا حيوية تعلمها ونعلمها ، إذن فلنراجع أنفسنا وسياساتنا الخارجية حتى لا نجد أنفسنا لوحدنا بعد إنفضاض السامر الإفريقي من حولنا .

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني


الثلاثاء، 12 يوليو 2016

فضيحة الجنائية الدولية الكبري



إذا كانت أكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية الصدامية كانت القشة التي قصمت ظهر أضخم بعير للعرب في العصر الحديث بعد أن حيكت المؤامرة بدقة وإحترافية إجرامية متناهية الدقة في كل من واشنطن وباريس ولندن وتل أبيب ، وحتى إذا ما دخلت جحافل الغزاة الطغاة أرض الرافدين لم يجدوا شيئا وهم يعلمون إنها ليست هناك ، لم يكن المهم أبدا ومن ناحية أخلاقية بحتة الإقرار بضخامة الكذبة بل كان المهم هو إحراق العراق رمح العرب الأشد فتكا ، بعد أن تحطمت قبلا كل نصال الأمة وبقي رمح العراق وحيدا .
نفس السيناربو الشنيع أرادوا إعادة إجتراره في السودان المخيف كما تراه تل أبيب وأروقة الصهيونية العالمية فكان لابد من تحطيمه وبذات الطريقة التي أثبتت إنها ناجعة عبر الأنموذج العراقي ، وهذه المرة من خلال ما يسمى بالجنائية الدولية ، فأوكلوا لرئيسة الجنائية الدولية الفاسدة مهنيا وأخلاقيا القاضية Judge Silivia بالعمل بكل جهد ومثابرة من أجل الإيقاع بالسودان بعد جندلة رئيسة عمر البشير ومن ثم إرغام كل قادة إفريقيا على الإنبطاح أرضا وتلقى ما يتعين عليهم تجرعه .
 عندما تقليت المعلومة الصادمة عبر الواتساب لم اشأ أن أكتب متعجلا فكل مايرد إلينا عبر وسائط التواصل الإجتماعي ليس بالضرورة أن يكون صحيحا ، إلى أن تأكد لنا صحة الخبر المفجع ، فالجنائية الدولية والتي تخصصت في السنوات الأخيرة في السودان وعبر رئيسه عمر البشير إتضح إنها محكمة فاسدة ، الخبر المفجع فجرته صحيفة لندن بوست البريطانية المسائية وهذا نصه :

رئيسة المحكمة الجنائية الدولية تلقت رشاوى بملايين الدولارات في حسابها البنكي لشراء شهود يشهدون ?دانة رئيس السودان بأدلة مزورة ، طوال الفترة ما بين 2004 و 2015.
ويشير التقرير أن بعض المبالغ تم تحويلها لمجموعات إرهابية في السودان تتضمن حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد النور وجماعات مسلحة أخرى.
 ومعلومات وتحريات تكشف تورط أوكامبو كذلك في أعمال غير شرعية لتلفيق أدلة للرئيس السوداني ، وتطويع الرؤساء الأفارقة عبر استهداف الرئيس السوداني ومطالبات باستقالة القاضية ،,المزيد في التقرير في الصحيفة الانجليزية عبر الرابط :

http://www.thelondoneveningpost.com/icc-president-in-corruption-scandal-over-bashir/                            

الفضيحة القضائية الدولية يمكننا وصفها بأنها تفوق في حجهما ووزنها فضيحة ووترغيت التي أودت بالرئيس الأميركي السابع والثلاثون ريتشارد نيكسون عام 1974 ، وترغيت وجدت حينها أصداء عالمية عارمة وتم تناولها على نطاق العالم بالتحليل والتمحيص والتدقيق بإعتبارها الأفدح في التاريخ السياسي الأميركي الديمقراطي الحديث ، بيد إن فضحية الجنائية الدولية في طريقها لأن تمر مرور الكرام في تأكيد فاضح على أن النزاهة الأخلاقية ما عاد لها مكان أو وجود في عالم لا يستحق أن يُعاش أصلا ، لم نسمع تعقيبا أو إعرابا بالقلق كأضعف الإيمان من واشنطن أو أي عاصمة غربية ، وهم الذين تبنوا الأوهام الأوكامبية وفرضوا الحصار والخناق على الخرطوم البريئة براءة الذئب من دم يوسف .
 لن ننسى أبدا هنا في السودان الضجة العارمة التي عمت العالم من أقصاه إلى أدناه يوم أصدر مدعى العام للجنائية الدولية السابق الأرجنتيني الفاسد لويس مورينو أوكامبو قراره المشئوم عليه لا علينا يوم 14 يوليو 2008 ، بتوقيف الرئيس عمر البشير ، وما تلى ذلك مطالبته لمجلس الأمن الدولي بالتحرك بجدية لتوقيف البشير .
الأن وبقدرة الله عز وجل الذي أمر بالعدل والإحسان ، فقد إنقلب السحر على الساحر ، إذ يتعين على الخارجية السودانية تسخير كل إمكاناتها وكل علاقات السودان بالدول الأعضاء بمجلس الأمن وبالجمعية العامة وكل المنظمات الدولية وشبه الدولية وكل محبي العدل وإنصار العدالة في إفريقيا وعموم العالم الثالث التوحد والتماسك والسعي لتشديد الخناق على رئيسة ما يمسى بـ الـ ICC  وعلى المدعى العام السابق وصولا لأصدار قرار أممي بتوقيفهما على خلفية جرائمها بحق الشعب السوداني الباسل .
لقد دفع هذا الشعب بالفعل ثمنا باهظا نتيجة الظلم الذي وقع عليه عبر إتهام رئيسة زورا وبهتانا وفسادا ، وما تمخض عنه ذلك من عقوبات إقتصادية مؤلمة إثرت على المواطن السوداني العادي في مأكله ومشربه وعلاجه وتعليمه ورفاهيته ، وعلى أثر ذلك تكبد الشعب السوداني خسائر بمليارات الدولارات يجب أن تسترد من الفاسدون المفسدون بالجنائية ، كما آثرت سلبا على الإقتصاد السوداني من ناحية عامة إذ ليست الحكومة هي من دفع تبعات العقوبات بل المواطن الذي أخذ غيلا وغدرا وكذبا .

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني
مشرف جروب قدامى المحاربين الإعلاميين
 dirgham@yahoo.com


الاثنين، 20 يونيو 2016

أهوال بيت البكاء الرمضاني



تركيا الإسلامية ووريثة الدولة العثمانية التي أدبت وأخضعت أوروبا الصليبية ذات يوم مضى ، إبتدعت نظاما تربويا إسلاميا رمضانيا رائعا الهدف منه تعليم وتعويد وتلقين الأطفال مبادئ الصيام منذ نعومة أظفارهم وأسموه (صيام العصافير) ، وتم التأكيد علي ذلك إعلاميا من خلال توثيق إفطارات الأطفال والتي تنتهي في الواحدة ظهرا تقريبا وهكذا بالتدريج ، النظرية المؤكدة تقول بأن الطفل وإن لم يتعود على الصيام لن يستطع أن يفعل ذلك عندما يصل السن التي يضحي فيها الصيام واجبا وفرضا ، وهذا يعني إن هناك مسئولية جسيمة تقع على البيت وعلى أولياء الأمور بهذا الشأن .
لقد وجدت نفسي وجها لوجه وهذا أمر أراده الله في وضع يمكنني من رصد هذا الإختلال المشين إزاء إنتهاك ركن هام من أركان الإسلام الخمسة وهو (صوم رمضان) ، فعلى بعد مرمى حجر من مكتبي أقيم سرادق بيت بكاء رمضاني ، وهذا مصطلح رمضاني جديد أيضا إذ لم أعهده من قبل ، بيد إنه تسلل هكذا خلسة إلى إدبيات المعاصي الرمضانية وبات معروفا في أروقة المجتمع ، فطبيعي جدا أن يسألك شاب مفتول العضلات عريض المنكبين ، جهرا لا همسا (هل يوجد بيت بكاء هنا ؟..) فلك إن تجيب بنعم مع وصف مكانه أو أن تجيب بـ لا ثم تستغفر الله في دواخلك ، ومن غير اللائق أن تسأل مثلا وماهو بيت البكاء هذا أو أن تقول ومن المتوفى ، هذا إن حدث فإلاجابة ستصنف بـ (الغبية أوالغير لائقة) .
ذلك يعني أن مصطلح بيت البكاء أو بالدارجة السودانية (بيت البكا) ، وبيت البكاء الغير رمضاني كما هو معروف في كل بلاد المسلمين هو المكان الذي تتلقى فيه الأسرة العزاء في عزيز لديهم إنتقل للرفيق الأعلي ، أمابيت البكاء الرمضاني الجديد فهو ذلك السرادق أو المكان والمغطى جيدا من الأعين وله باب خفي يتطلب الإنحناء للدخول إليه ، وبداخله يحدث العجب العجاب ، الفكرة من هذا الشئ هو إتاحة الفرصة لغير المسلمين والمرضى لتناول وجباتهم الغذائية ، ويتم إقامته بتصديق رسمي ومعتمد من السلطات السودانية المختصة هنا في العاصمة الخرطوم .
 الفكرة قد تبدو مقبولة ومنطقية غير إن ما رصدته عينايّ حقا وفعلا هو أن أهداف ومرامي بيت البكاء قد تم تحريفها والعبث بها بنحو فاضح وواضح ، فكما قلت لكم إنه أقيم على مرمى حجر من مكتبي وباب زجاج مكتبي زجاجي من النوع الذي أرى مايحدث في الخارج ولا يستطيع الطرف الآخر رؤيتي .
طيلة النهار وأن أحدق في المرضى وغير المسلمين إفتراضا وزعما ، والمسليمن واقعا وتسليما الذين يرتادون بيت البكاء لتناول طعامهم وشرابهم وتدخين سجائرهم وسف (صعودهم) ، هم وجلهم شباب وفتيان في عمر الزهور وفي عمر العطاء والجهاد وتحمل المسئولية ، أعرف الكثير منهم ، أراهم يتلفتون يمنة ويسره ثم يندسون إنحناءا إجباريا عبر باب الخيمة ، وثم يخرجون بعد ذلك وهم يمسحون خياشيمهم ويتضاحكون كناية عن إنهم قد تجرعوا من كأسات الرضا والحبور ما يكفي داخل بيت البكاء السعيد .
النسبة مخيفة لرواد هذه البيوت ، والمؤشر مؤسف ، والمعدلات صادمة ومحزنة ، بت أسأل نفسي ، أليس تاريخنا الإسلامي الحافل مترع بالأمثلة والمواقف على جهاد ضروس من أجل أعلاء كلمة الله في الأرض تم ووقع في رمضان وفي نهارات وصحارى يجف فيها حلق العندليب ؟.. لنا أن نعدد وللذكرى فقط بدر الكبرى ، فتح مكة ، القادسية ، فتح الأندلس ، الزلاقة ، عين جالوت ، حطين ، ثم نقف ونتوقف أمام ملحمة المتنبئ العظيم وهو يؤرح لفتح عمورية الرمضانية الخالدة والتي قال فيها والتاريخ مابرح يصفق بيديه العاريتين :

السيف أصدق أنباء من الكتب ـــ في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف ـــ في متونهن جلاء الشك والريب

هذه العمورية الخالدة والتي وقعت في العام 223 هجرية حدثت يوم رمض الجندب في رمضان ، فهل أولئك الأشاوس والذين قاتلوا وقتلوا عبر هذا التاريخ المنير يشبهون شبابنا الذين فشلوا في الإمتثال لركن أساس من أركان الإسلام وهو الصيام ، هل هناك وجه شبه ؟ ، هل هناك نظير ؟.. هل أولئك كانوا رجالا ورواد بيتوت البكاء في عصرنا هم أيضا رجال ؟..
بالقطع البون شاسع ، والمؤشرات مؤسفة ، والدلالات فادحة العواقب ، والمستقبل عبر هذا المنظور شنيعة ملامحة ، ذلك إن المعدلات التي رصدتها شخصيا تقول وبلسان عربي مبين بأننا وربما في يوم من الأيام وفي سنة من السنين لن نجد هنا من يصوم رمضان ، سنحتفي به نعم ، وسنعد المسلسلات والفوازير والمسابقات الرمضانية من إذاعية لتلفزيونية وبوقت كاف نعم ، وسنشاهد رامز وهو يبتدع مواقف جديدة لا معنى لها ، وسنحض الناس على إن في السحور بركة ، وعلى إن في قيام الليل وتلاوة القرآن الخير كل الخير ، ومع كل هذا وفوق هذا لن نجد هناك من يصوم ، بيوت البكاء ستزداد عددا وروادا ، كما حدث ويحدث فعلا .
لا تندهشوا من هذا المؤسف الذي نقول ، لنا أن نلتفت لما يحدث داخل بيوتنا وداخل مجتمعاتنا لنسأل هل هناك منظومة تربوية فاعلة على نهج منظومة تركيا (صيام العصافير) تعمل على تلقين الناشئة مبادئ وأبجديات الصيام ؟.. الأطفال لا يجدون من يتابعهم ويحضهم عليه لأن الكبار أنفسهم مفطرون ..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني
مشرف جروب قدامى المحاربين الإعلاميين
dirgham@yahoo.com

الجمعة، 6 مايو 2016

من هم أعداء حرية الصحافة ؟..



 الثالث من مايو من كل عام تحتفل الإتحادات والنقابات والجمعيات الصحفية في كل أنحاء العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة ، ويتبارى الخطباء في التأكيد على قدسية هذا الحق مؤكدين على إن حرية الصحافة وأمن الصحفيين هو حق أصيل للشعوب في إطار تطلعها المشروع لإقامة عمد وأركان دولة الرفاهية المنشودة ، وإن السلطة الرابعة هي لاعب أساس في كيان الدول والأوطان ورقم يستحيل تجاوزه ، مع الإقرار بان السلطة الرابعة نفسها لم تعد هي نهاية المطاف في عالم اليوم ، هناك الآن السلطة الخامسة ، وهي ثورة التكنولوجيا الحديثة وما أفرزته من وسائط التواصل الإجتماعي ذات التأثير المتنامي والمقلق لأعداء حرية التعبير في كل مكان ، ويقال إن هناك سلطة خامسة وهي الأغلبية الصامتة والمغلوب على أمرها والتي تنظر وتتعجب لكنها لا تنطق إلا عندما يبلغ السيل الزبا ، وحتى إذا ما حدث هذا فإن إنفجارها سيغدو نوويا.
الخطباء والزملاء وهم يشددون على قدسية حرية التعبير ، وعلى حرية الحصول على المعلومة ، وعلى جدلية تأكيد ضمان الأمن الشخصي للصحفي ، كانوا وجميعهم يتوجهون همسا وغمزا للعدو المفترض وهو (السلطة وأجهزة أمنها) إذ هي وحدها تتحمل الوزر كله في وجود مصطلح (حرية الصحافة وحرية التعبير) ، فهي وحدها دون سواها التي تكبل هذه الحرية بما تملكه من قدرات تنفيذية ساحقة ، وهي وحدها التي تعتقل الصحفي ، وهي وحدها التي تمنعه من التعبير ، وبالتالي وبالنتيجة فإنها (العدو) الأول للصحافة والصحفيين .
هذا هو المفهوم السائد والمتداول والمعروف ، غير إننا وبهذه المناسية يهمنا أن نطرح سؤالا هاما ومحوريا ، ويقول :

ـ هل الصحفي أو الكاتب من الممكن أن يكون رجل أمن أو أن يمثل السلطة ؟..

السؤال في حد ذاته يراه البعض مفزعا بل ومرفوضا ، فالصحفي في إطار العرف السائد وهذه جدلية هشة هو عدو تقليدي للسلطة وبغض النظر عن حقيقة إنها المخولة قانونا في الدفاع عن الوطن وصيانة أرضه وسماءه وتوفير الرفاهية لشعبه .
لنفترض جدلا بان صحفيا عهد إليه ذات ليلة ظلماء بحراسة منشأة هامة ، وفيما بعد منتصف الليل رآى لصوصا مدججين بأسلحة فتاكة جاءوا ومعهم معاول الهدم لسرقة المنشأة التي يحرسها ، فماذا يتعين عليه أن يفعل في هكذا حالة مفصلية ؟..هل يستخدم الخطابة والبلاغة والفصاحة لإقناع اللصوص بالعدول عن مشروعهم الإجرامي ، ام يستخدم القوة والسلاح الناري الذي بحوزته لرد وردع اللصوص ؟..
بالقطع الخطابة والفصاحة والبلاغة لا تصلح وهذا ليس مكانها ولا زمانها ، النار وحدها هي الكفيلة برد المعتدين المسلحين ، لنغير هنا مصطلح المنشأة إلى مصطلح (الوطن) ، فالمعتدين المسلحين على حدود الوطن يتم ردعهم بقوة السلاح لا بقوة الكلمات ، وهذا ما تفعله الدولة تحديدا مع أعداءها عبر جيشها وأجهزة أمنها وهو نفسه جيش الوطن المعد أصلا للقيام بهكذا مهمات .
القضية أن البعض منا يرفض أن يكون من حيث المبدأ في الطرف الأخر من المعادلة مع إن مفهوم الوطنية المطلق يجيز تبادل المراكز حتى من باب إكتساب الخبرات على الأقل ومن باب فهم وإستيعاب ما يفعله الآخر .
بعض الأقلام وفي إطار وصفها لما قامت به الدولة تصف ما حدث بالقمع الدموي ، ودكتاتورية النظام ، وترويع الآمنين ، وتبديد أموال الشعب ، ألخ ألخ من المصطلحات اللاواقعية ، وعندما تمارس السلطة دورها في تلجيم وتهذيب هذه الأقلام المعادية لسلامة الوطن يتم نعتها بتكبيلها لحرية التعبير ، هنا تحدث المفارقة في إطار محاولتنا لتحديد نوع التعبير الذي يجب أن يتمتع بالحرية .
رأينا أمثلة مروعة في إطار مفهوم حرية التعبير ، رأينا مواطنين أبرياء يتم التنكيل بهم صحفيا وتمزيقهم أربا بدون دليل وبدون بينة ، وعندما يعترض المواطن قضائيا ويتم توقيف الصحفي في إطار رد الحقوق وجبر الإضرار تندلع العواصف هوجاء وصاخبة متناسية عذابات الضحية منادية بإطلاق سراح الجاني ، فأين العدل ، بل أين الإستواء ؟..
 علما بان القاعدة الفقهية الإسلامية تنص على إن جرح اللسان كجرح اليد ، وجرح لسان الصحافة أنكأ من كلمة نابية تقال في حق برئ قد يسمعها البعض ولا قد يسمعها ، بيد إن لسان الصحافة الجارح يبقى مع الزمن إذ هو مكتوب ومحفوظ وشاهد وشهيد علي هول الجرم .
عندما وصف الله عز وجل الجنة لسيدنا آدم عليه السلام قال : إن لك أن لا تجوع فيها أو (تعرى) ، أي أن اللباس هو المكمل لحرية الإنسان في الحركة والتنقل وهو الحافظ لكرامته أيضا ، غير إن البعض وفي إطار مفهوم (حرية التعبيرالفضفاض ومفهوم كفالة الحريات الهلامي) يطالبون بجواز ان يتبختر الناس مشيا في الطرقات وهم عرايا ، وحتى إذا ماتم توقيفهم بتهمة خدش الحياء العام إرتفعت عاليا الأصوات المنددة بكبح الحريات !! وهذا وصف بلاغي بطبيعة الحال .
ما أنا علي قناعة ومنه هو إن الصحفي والكاتب يجب أن يكون رجل أمن أولا وأخيرا ، وإن عليه أن يكون تقيا ورعا متزنا حصيفا ولبقا وأن يختار كلماته بعناية ودقة ،  ثم بعد ذلك عليه أن يكتب ماشاء له إن يكتب ، وهذا عينه ما كنا نفعله عندما كنا نكتب بالوطن العُمانية أو هذا ما تعلمناه من الصحافة العُمانية المعروفة بالإتزان والعقلانية  إذ لم تكن هناك رقابة قبلية مفروضة علينا بل كان هناك فكر فهمناه ثم سرنا على هداه ..
فإن كان الصحفي كذلك فسيعلم يقينا بان ليس كل شئ يقال ، وليس كل خبر يذاع ، وليست كل معلومة يتعين أن تشاع ، هناك (الوطن) بكل قدسيته ماثل أبدا للعيان إذ هو موكول له حراسته والذود عنه إذ هو صحفي ورجل أمن كما إتفقنا ، هناك أعداء كُثر قد يستفيدون من خبر أو معلومة كُتبت وعفويا في إطار حرية التعبير ولم تستكمل بعدها الأمني بعد ، ثم يرتد وبالها على الوطن برمته ، هنا تحدث الكارثة .
قبل يومين كتب أحدهم في الواتساب ولا أدري إن كان ما كتبه صحيحا أم خيالا ، كتب بأن مسئولا في السفارة الأميركية بالخرطوم قام مهنئا بزيارة لمقر صحيفة سودانية عاودت الصدور بعد فترة إيقاف قسري .
وصفت الخبر بأنه خطوة غير موفقة من السفارة الأميركية وتدخل سافر في الشأن الداخلي السوداني ، وهذا هو الواقع في الواقع .

جاء الرد من كاتب الخبر لا وطنيا وفي إطار مفهوم حرية التعبير المغلوطة والمشروخة ، فقد قال :

أي شأن يأ أستاذ ضرغام ، هو فضل لسه شئ إسمه السودان ..

أي سودان تتكلم عنه ..

قرأت الرد ، ولم أرد عليه ، لأنه ببساطة لا يستحق الرد ، وقدرت أن الرجل كان يكتب في إطار حرية التعبير المكفولة للجميع !!!..

ضرغام أبوزيد
صحفي وكاتب سوداني عُماني
00249121338306